محمد الريشهري
53
موسوعة الإمام علي بن أبي طالب ( ع ) في الكتاب والسنة والتاريخ
ممكن ، فإنّ عليّاً ( عليه السلام ) ليس رجل سياسة أصلاً . بديهي ، لا يعني ذلك أنّ الإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) لم يكن يعرف السياسة بهذا المعنى ، إنّما معناه أنّ التزامه بالأحكام الإلهيّة ؛ وتمسّكه بالقيم الأخلاقيّة أثنياه أن يكون سياسيّاً بهذا المعنى ، وإلاّ فإنّ الإمام كان أعرف الناس بألاعيب السياسة وحيلها اللامشروعة من أجل فرض السلطة ، كيف لا ، وهو الذي يقول : " لولا أنّ المكر والخديعة في النار لكنت أمكر الناس " . كما يقول : " هيهات ، لولا التقى لكنت أدهى العرب " . وقوله ( عليه السلام ) : " والله ما معاوية بأدهى مني ، ولكنّه يغدر ويفجر ، ولولا كراهيّة الغدر لكنت من أدهى الناس ، ولكن كلّ غدرة فجرة ، وكلّ فجرة كفرة ، ولكلّ غادر لواء يُعرف به يوم القيامة " . إنّه ( عليه السلام ) لعلى دراية بأيّ مكر سياسي يستطيع أن يحبس الأنفاس في الصدور ، كما بمقدوره أن يلجأ إلى سياسة الترغيب والتهديد والتجاوز على حقوق عامّة الناس ليقضي على ضروب المعارضة والعصيان الداخلي ، بيد أنّ التزامه يُثنيه عن ذلك ، وتربأ به قيمه الإسلاميّة والإنسانيّة من الجنوح إلى هذا المنحدر ، وتعصمه عن التوسّل بالوسائل غير المشروعة . ولطالما كرّر صلوات الله وسلامه عليه قوله : " إنّي لعالم بما يُصلحكم ويُقيم أوَدكم ، ولكنّي لا أرى إصلاحكم بإفساد نفسي " ( 1 ) . يُشير الإمام في هذا الكلام إلى تلك السياسات والوسائل الفاعلة على صعيد فرض الحكم التسلّطي على المجتمع ، بيد أنّه لا يستطيع أن يلجأ إليها ، لأنّها
--> ( 1 ) نهج البلاغة : الخطبة 69 .